ابن بطوطة

262

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ويكون معهن نحو ثلاثين من غلمانه عليهم جباب الملفّ الحمر « 85 » ، وفي رؤوسهم الشواشي البيض ، وكلّ واحد منهم متقلّد طبله ، يضربه ثم يأتي أصحابه من الصبيان فيلعبون ويتقلبون في الهواء كما يفعل السّندى ، ولهم في ذلك رشاقة وخفة بديعة ويلعبون بالسيوف أجمل لعب ، ويلعب دوغا بالسيف لعبا ، بديعا وعند ذلك يأمر السلطان له بالاحسان فيوتي بصرّة فيها مائتا مثقال ( 85 ) من التّبر ويذكر له ما فيها على رؤوس الناس ، وتقوم الفرارية فينزعون في قسيهم شكرا للسلطان ، وبالغد يعطي كلّ واحد لدوغا عطاء على قدره ، وفي كل يوم جمعة بعد العصر يفعل دوغا مثل هذا الترتيب الذي ذكرناه . ذكر الأضحوكة في إنشاد الشعراء للسلطان وإذا كان يوم العيد وأتم دوغا لعبه جاء الشعراء ، ويسمون الجلا ، بضم الجيم ، واحدهم جالي « 86 » ، وقد دخل كلّ واحد منهم في جوف صورة مصنوعة من الرّيش تشبّها لشقشاق ، وجعل لها رأس من الخشب له منقار أحمر كأنه رأس الشقشاق ، ويقفون بين يدي السلطان بتلك الهيأة المضحكة ، فينشدون أشعارهم « 87 » ، وذكر لي أن شعرهم نوع من الوعظ يقولون فيه للسلطان : إن هذا البنبي الذي عليه جلس فوقه من الملوك فلان وكان من حسن أفعاله كذا ، وفلان وكان من أفعاله كذا ، فافعل أنت من الخير ما يذكر بعدك ! ثم يصعد كبير الشعراء على درج البنبي ويضع رأسه في حجر السلطان ، ثم يصعد إلى أعلى البنبي فيضع رأسه على كتف السلطان الأيمن ثم على كتفه الأيسر ، وهو يتكلم بلسانهم ، ثم ينزل ، وأخبرت أن هذا الفعل لم يزل قديما عندهم قبل الاسلام فاستمروا عليه ! . حكاية [ الجرادة المتكلمة ] ! وحضرت مجلس السلطان في بعض الأيام ، فأتى أحد فقهائهم وكان قدم من بلاد بعيدة وقام بين يدي السلطان وتكلم كلاما كثيرا ، فقام القاضي فصدّقه ثم صدقهما السلطان ، فوضع كلّ واحد منهما عمامته عن رأسه وترّب بين يديه ، وكان إلى جانبي رجل

--> ( 85 ) لعل ( الملف ) يأخذ اسمه من أمالفي الإيطالية . . . التازي : مجلة مجمع اللغة العربية ، القاهرة مايه 1989 . ( 86 ) جالي ( DYELI ) ويعني المنشد . . . ( 87 ) من المعتاد إلى اليوم رؤية مثل هذه المشاهد الجميلة والمثيرة بمناسبة استقبال عزيز أو ضيف كبير على نحو ما شاهدناه عند زيارة سمو ولّى العهد سيد محمد للمنطقة . . . التازي : دفاعا عن الوحدة الترابية للمملكة المغربية رمضان 1400 - يوليه 1980 نشر المعهد الجامعي للبحث العلمي ص 70 . الشقشاق : بلارج في تلمسان وهو الشحرور في غرناطة ، وقد ترجمه بيكينگام إلى HORNBILL طائر ضخم المنقار .